1 ـ تطابق القول والعمل :
إن من عوامل نجاح ورقي وتطور المجتمع الإسلامي لنحو السعادة تكون بدايتها التربية السليمة للأبناء، ونظراً إلى أهمية التربية في الإسلام لم يجعل الناس هم الذين يرسمون ويجعلون الطرق للتربية ، يصنعونها كيف يشاؤون ويشرعونها كما يحلو لهم بل جعل التربية، تقوم على مرتكزات عقائدية وعملية وسلوكية.
ولقد نبهت الشريعة الإسلامية إلى أن نشأة الأطفال في أسر متوازنة مستقرة أهم عامل في التربية السليمة، ويتأتى هذا من تطابق القول والفعل، وتوافق إرشاد الوالدين لأبنائهما مع السلوك الذي يقومان به، فليس من المعقول أن يتفوها بالألفاظ القبيحة وينهيا أبناءهما عنها أو عن ارتكاب العادات القبيحة وهما يفعلانها .
فوجود الشخصية ( القدوة) في داخل البيت وخارجه ولا تجد الاختلاف فيها ، ولا تجد تناقضاً بين كلامها والفعل فهي القدوة الصالحة التي توصل الطفل أو المجتمع إلى ما يرنو إليه من السعادة الحقيقية ، ولذلك كان الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والأولياء قدوات صالحة لأنّك تجد انسجاماً واضحاً بين ما يقولون وبين ما يجسّدون من تلك الأقوال ، ولما يحدث الاختلاف بين القول والفعل فسوف تكون المعادلة غير صحيحة والنتيجة غير مثمرة، وهذا ما دعا القرآن إلى اعتبار التناقض أمراً ممقوتاً عند الله: (يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون * كبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ). ( سورة الصف : الآية 3 )
3 ـ الثبات على المبدأ :
القدوة الصالحة ليست قدوة موسمية تؤثر لبعض الوقت أو في أماكن محدّدة ، إنّما هي ذات تأثير وجاذبية أينما حلّت وارتحلت (وجعلني مباركاً أينما كنت ). ( سورة مريم : الآية 31).
وبديهي أن المبادئ مهما سمت، وزخرت بجلائل المزايا والخلال، فإنها لا تحقق أماني الأمة وآماله، ولا تفيء عليها بالخير المأمور، إلا إذا اعتنقتها وحرصت على حمايتها وتنفيذها في مختلف مجالات الحياة، وإلا كانت عديمة الجدوى والنفع ، لذلك كان الثبات على المبدأ الحق من أقدس واجبات الأمة وفروضها الحتمية، فهو الذي يرفع معنوياتها، ويعزز قيمتها، ويحقق أهدافها وأمانيها.
والثبات يعطي الانطباع عن الصدق والصبر والتحدي والإيمان العميق بالمبادئ التي يحملها القدوة ، بعكس التذبذب أو التردد أو التراجع أو التساقط .
ولم تعرف البشرية في تاريخها المديد، أكمل وأفضل من المبادئ الإسلامية الحائزة على جميع الخصائص والفضائل التي أهلتها للخلود، وبوأتها قمة الشرائع والمبادئ ، فهي المبادئ الوحيدة التي تلائم الفِطَر السليمة، وتؤلف بين القيم المادية والروحية، وتكفل لمعتنقيها سعادة الدين والدنيا.
ناهيك في جلالتها أنها استطاعت أن تحقق في أقل من ربع قرن من فتوحات الإيمان، ومعاجز الإصلاح، ما عجزت عن تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ ، وأنشأت من الأمة العربية المتخلفة في جاهليتها خير أمّة أخرجت للناس، حضارة ومجداً وعلماً وأخلاقاً ، وما ساد المسلمون الأولون وانفردوا بحضارتهم وزعامتهم العلمية، إلا بثباتهم على مبادئهم الخالدة، وتفانيهم في حمايتها ونصرتها ، وما فجع المسلمون اليوم، وانتابتهم النكسات المتتالية، إلا بإغفال مبادئهم، وانحرافهم عنها.
انظر كيف يمجّد القرآن الكريم المسلمين الثابتين على مبادئهم الرفيعة، المستمسكين بقيم الإيمان ومثله العليا: (إن الذين قالوا: ربنا اللّه، ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا والآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلاً من غفور رحيم) (فضلت: 31 - 32 ).
ولقد كان الرسول الأعظم وأهل بيته عليهم السلام، المثل الأعلى في الثبات على المبدأ وحمايته والتضحية في سبيله، بأعزّ النفوس والأرواح.
إنّ الإنسان الشاب أو الفتاة قد ينهار تحت الضغوطات لكنّه إذا تذكّر الثابتين الصامدين من النبي وأهل بيته عليهم وجميع الحواريين من أصحابهم ، المقاومين في عناد ، خجل من نفسه واتكأ على جراحه ، وواصل المسير. |