ولكن القانون لابد أن يجري على يد البشر، لذلك لابد للناس من حاكم سواء كان صالحاً أو غير صالح، يحفظ أمن البلاد من وقوع الهرج والمرج فيها، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو ،ويؤخذ به للضعيف من القوي، ويدير شؤون البلاد السياسية والاقتصادية وغير ذلك، ونجاحه في ذلك مرهون بحسن تصرفه في المجتمع،، وقد بين الإمام علي عليه السلام مجموعة من الوصايا الحكيمة لمالك الأشتر بل لكل الحكّام والقادة، ما إن عملوا بها استطاعوا أن يديروا المجتمع إدارة عادلة ومن أبرز هذه الوصايا:
1ـ حضور الحاكم بين الناس
إن على الحاكم والأمير أن يكون حاضراً بين الناس يتحسس آلامهم ، ويسعى لقضاء حاجاتهم وأن لا يحتجب عن الرعية ، إذ الاحتجاب نوع من أنواع الضيق، وقلة علم بما يجري في الساحة وما يحتاجه الناس ، مما يؤدي إلى مفاسد كبيرة وأضرار خطيرة ، هذا وإن الاحتجاب عن الرعية أيضاً يؤدي إلى جهلهم وعدم علمهم عما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحق بالباطل.
ومما يدلّل على هذه الحقيقة ويؤكدها قوله عليه السلام : ( وإنما الوالي بشر ، لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور ، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب ) .
فأولاً : الوالي بشر كسائر الناس، فإن احتجب عنهم لا يعرف ما توارى عنه من الأمور، كما وأن الحق ليست له علامة كي تكون دليلاً له فيشتبه عليه الحق بالباطل.
وثانياً : الحاكم لا يخلوا من حالتين ، إما حاكم يسعى لقضاء حوائج الناس ، فيما لو رأى أن ذلك من الحقوق الواجبة عليه أو من باب كرمه الذي يسدي به على شعبه ، فلا معنى لاحتجابه وإما حاكم يمتنع في قضاء حوائجهم ، لظنه أن ما يقدمه لهم من ممتلكاته الخاصة ، فيتفرقون عنه عند اليأس والقنوط من مسألته ، ويخرجون عليه ساعين لإزالة حكومته ، يقول عليه السلام :
( وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه ، أو فعل كريم تسديه ؟ ، أو مبتلى بالمنع ، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك ).
وثالثاً : إن أكثر حاجات الناس لا تشكل مؤونة على الحاكم ، لأن حاجاتهم ، إما شكاية مظلمة أوتجاوز على حقهم ، ومن المعلوم أن وظيفة الحاكم صون الحقوق ، وإعطاء المظلوم حقه أو طالب إنصاف في معاملة فلا معنى لاحتجابه عنهم ( مع أن أكثر حاجات الناس مما لا مؤونة فيه عليك من شكاية مظلمة أو طالب إنصاف في معاملة ) .
2ـ إنصاف الله وإنصاف الناس
قال الإمام علي عليه السلام : ( أنصف الله وأنصف الناس ) ، ومعنى إنصاف الله العمل بأوامره والانتهاء عن زواجره ، مقابلا بذلك النعم التي لا تعد ولا تحصى ، وإنصاف الناس ،العدل فيهم ،والخروج إليهم من حقوقهم اللازمة لنفسه ولخاصة أهله، لأن العدل هو أساس توازن المجتمع ، ويرضى جميع أفراده ، ويجلب لهم السلام والأمن والطمأنينة ، أما الظلم والإجحاف بحقهم والتمييز الطائفي فهو لا يرضى الظالم نفسه لو رجع إلى فطرته ، فكيف بالمظلومين والمحرومين ، وإن لم يكن الحاكم منصفاً لله سبحانه وتعالى ، ولا منصفاً للناس ظلم عباد الله تعالى وقد قال الإمام علي عليه السلام : ( ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه ، ومن خاصمه الله ادحض حجته ، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب ) .
3ـ الرحمة بالرعية، والعفو والصفح عنهم
الأمن والاستقرار في البلاد أمر ضروري للحاكم والمحكومين ، ولا يتم ذلك إلا إذا كان قلب الحاكم رحيماً وعطوفاً على رعيته ،غير متسلط عليهم ، ولا يفعل ما يوجب سخطهم ويؤجج نار الحقد في قلوبهم . .
قال الإمام علي عليه السلام: ( فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك ).
ــ وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم.
ــ فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.
ــ وواصل في حسن الثناء عليهم .